EN
  • تاريخ النشر: 06 يناير, 2012

بيرم.. المشاغب

fan article

fan article

روح بيرم التونسي طالما كانت روح ثورية بحتة حيث وقف إلى جوار المظلومين والمهمشين ضد الطغاة ، وكان واسع الموهبة حيث قدم مئات الأغاني والقصائد والمسرح الغنائي أيضاً

  • تاريخ النشر: 06 يناير, 2012

بيرم.. المشاغب

ثمة فصيل من الناس، فى معظم الأزمان، تمتعوا بنعمة مزدوجة: الموهبة والثورة.. محمود بيرم التونسى «4 مارس 1893 ــ 5 يناير 1961»، واحد من هؤلاء.

هجّاء عظيم، وقف إلى جانب المظلومين، ضد الطغاة، وعاش حياته مطاردا، متنقلا ما بين مصر وفرنسا وتونس وسوريا، فالسلطات الحاكمة، المستبدة، اعتبرته مشاغبا، غير مرغوب فيه، يستحق النفى إلى خارج البلاد. ورب ضارة نافعة، فسنوات الشتات عمقت مدارك الرجل سياسيا، وأكسبته خبرة ودراية بأسرار اللهجات المغربية والشامية والمصرية طبعا.. خالط الحمالين فى ميناء مارسيليا فى مطلع الثلاثينيات، إبان مطالباتهم بحقوقهم المشروعة، واندمج مع الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، فى الوطن العربي.

امتدت موهبة بيرم التونسى لتشمل مجالات المسرح الغنائى فقدم «شهرزاد» التى لحنها سيد درويش.

وفى الإذاعة حقق «سيرة الظاهر بيبرس» و«عزيزة ويونس»، فضلا عن مئات الأغانى والقصائد، والمقطوعات النثرية، ذات الطابع الساخر.. لكن الأهم، فى تقديرى، دوره الفريد فى السينما المصرية، ذلك أنه منحها ملمحا «قوميا» لا ينتمى إلا له، فاللهجة البدوية التى أبدعها، فتحت الطريق أمام الأفلام المصرية ــ ابتداء من «رابحة» لنيازى مصطفى 1943 ــ نحو الجمهور العربى، فى اليمن والجزائر ودور العرض كافة.

إلى جانب الأفلام البدوية، كتب بيرم حوار عشرات الأفلام العصرية، تلمس فيها نزعته النقدية، ذات الطابع النقدى، والتى تتجلى فى «السوق السوداء» لكامل التلمسانى 1945، على سبيل المثال، فهنا، مع كل جملة حوار، يعبر قائلها عن نفسه، ويلقى ضوءا على الآخر، وتجسد الجو العام، وتدفع الموقف إلى الأمام، فبعد أن يتحول التاجر الطيب ــ زكى رستم ــ إلى غول، من أباطرة السوق السوداء، لا يتورع عن إلقاء صديقه الحلاق ــ محمد كمال المصرى «شرفنطح» ــ أرضا، وبكلمات تقطر فهما ورقة يقول الحلاق: يا خسارة عليك يا أبو محمود. يا خسارة الرجولة.. أنا زعلان عليك يا أبو محمود أكثر ما أنا زعلان منك.. عليك العوض، وعليه العوض».

مشاغبات بيرم لم تكن شعرا فقط، ولكن وجدت لها مكانا فى الأغانى، الأقرب للوحات، تستكمل الحركة داخل المشهد وتكثفه، وتزيد من تأثيره. قبل قيام ثورة يوليو 1952 بعدة شهور، تعرض «مسمار جحا» لإبراهيم عمارة لمتاعب رقابية عنيفة، بسبب أغنية النهاية. فبتاريخ 4 أبريل 1952، كتبت الرقيبة «علية فريد»، بالحرف الواحد «يستحسن منع عرض هذا الشريط فى هذه الظروف الحاضرة إذ إن فكرته تدور حول الاستعمار والتحمس ضده والدعوة إلى التحرر وطريقة معالجته فيها الكثير من التحمس الشديد الذى يحض على الثورة فى وقت نحن أحوج فيه إلى الهدوء».. لا يحتاج التقرير لتعليق، وهو يعتمد على تقارير سابقة، انصب غضبها على ذلك النشيد المصاحب لهجوم الناس على السجن ــ رمز الطغيان ــ والذى يقول «هد.. هد هد/ آدى الحق وآدى الجد/ عهد الظلم خلاص انهد/ سجن المجرم هد/ سجن الظالم هد/ آدى الحق/ وآدى الجد».

هكذا، كلمات تتمشى مع حركة المجاميع، وتعبر عن روح بيرم التونسي.

(*) نقلاً عن صحيفة الشروق المصرية