EN
  • تاريخ النشر: 16 أبريل, 2012

الفيلم الإماراتي "أمل "..الغربة مرتان

طارق الشناوي

طارق الشناوي

لفيلم التسجيلي الطويل "أمل" أخرجته الإماراتية "نجوم الغانم" وشاركت مع "أمل" في كتابة السيناريو وهو يتناول تلك السنوات التي أمضتها أمل في دولة الإمارات تعمل في الصحافة والمسرح والتليفزيون والإذاعة

  • تاريخ النشر: 16 أبريل, 2012

الفيلم الإماراتي "أمل "..الغربة مرتان

(طارق الشناوي) أصبح من المعتاد بالنسبة لي أن أجد في كل مهرجان أشارك بالحضور إليه في دولة الإمارات العربية بعض الفنانين السوريين الذين اختاروا الإمارات مستقراً لهم حتى لا تطولهم قبضة وجبروت "بشار الأسد" الذي يلاحق كل من يجرؤ على أن يعارضه ويطالب بالحرية وينضم لآمال الشعب آخر من رأيت أثناء مشاركتي في مهرجان "الخليج" السينمائي خلال هذه الدورة الخامسة هما الزوجان المخرج "مأمون البني" والكاتبة والممثلة والمخرجة "واحة الراهب".

الفنان عادة لا يجد نفسه إلا في أحضان الوطن، فهو يبدع أولاً لأهله وناسه، ولكنه من الممكن أن تجبره الظروف على الهجرة وفي الفيلم الإماراتي "أمل" للمخرجة "نجوم الغانم" نجد أمامنا الفنانة السورية "أمل الخوجة" التي تضطرها الظروف الاقتصادية والاجتماعية في بداية المشوار الفني أن تنتقل للعمل في الإمارات، وعندما تقرر العودة لبلادها في منتصف العمر تجبرها الملاحقة الأمنية، بعد أن انضمت للثورة أن تعود مرة أخرى إلى "الإمارات".

 الفيلم التسجيلي الطويل "أمل" أخرجته الإماراتية "نجوم الغانم" وشاركت مع "أمل" في كتابة السيناريو وهو يتناول تلك السنوات التي أمضتها أمل في دولة الإمارات تعمل في الصحافة والمسرح والتليفزيون والإذاعة.. ينتقل الفيلم فى عدة خيوط متوازية بين أكثر من محور حيث نرى الفنانة أثناء التدريب على الأداء المسرحي في البروفة وكيف أنها تعيش لحظات الإبداع الحقيقية ونراها في الاستوديو تسجل "الدوبلاج" الصوتي للمسلسل التليفزيوني للأطفال الشهير "ماجد" ويظل حضورها الإنساني موازياً لحضورها الفني في السيناريو، وهكذا نتعرف مثلاً على عشقها للبحر؛ حيث تحتفظ دائماً في زجاجات برمال لكل شاطئ تخطو عليه.

الفنان عندما يهاجر بعيداً عن وطنه ويسافر للخارج مهما احتضنته الدولة التي يعمل فيها وتحقق مادياً وأدبياً فإنه لا ينسى أن قضيته هي أن يتحقق أولاً على أرضه.. "أمل" درست المسرح في سوريا خلال الثمانينيات وكانت من بين دفعتها فنانة قالت لا وبصوت عال ضد الطاغية "بشار" وهي "مي سكاف" وأنشأت فرقة مسرحية في سوريا والآن كثيراً ما تتعرض للاعتقال لأنها رفضت أن تصبح واحدة ممن يهتفون "الله سوريا بشار وبس" رداً على الثوار الذين يعلو ندائهم قائلين "الله الوطن سوريا وبس"!!

"أمل" تروي جوانب عديدة من حياتها الشخصية والمهنية طوال أحداث هذا الفيلم التسجيلي ونحن نستشعر مدى حبها لخشبة المسرح وكيف أنها تزوجت الفن وبعد أن تأقلمت على تلك الحياة ظهر رجل في حياتها قررت أن تكمل معه المشوار.

السينما كانت قاسية عليها ولم تمنحها تواجداً تستحقه على خريطتها.. ونكتشف أنها كانت مرشحة لبطولة فيلم والمخرج تحمس لها برغم أن لديها عيب خلقي في الجانب الأيمن من وجهها حيث أنها تعرضت إلى فيروس نادر أدى إلى نوع من الشلل في جزء طفيف من الشفة السفلية لم تكن تشعر في البداية بأن هذا يشكل عائقاً ولكن هذا العيب وقف فيما بعد حائلاً بينها والكاميرا السينمائية!!

"أمل" حاولت أن تجري عملية جراحية أكثر من مرة وكان الدكاترة يؤكدون أن المنطقة حساسة، وهناك تخوف من أي تدخل لمشرط الجراح حتى جاء طبيب تجميل فلم يستطع أن يفعل شيء إلا أن "أمل" تعايشت مع الموقف ولم تفقد الأمل على اعتبار أن أداء الممثل من الممكن أن يتجاوز عن الكثير وأن الإحساس قادر على الوصول للناس!!

أهم ما يمكن أن تلاحظه في هذا الفيلم التسجيلي أن "أمل" كانت تلتقط لها صوراً من الجانب الأيمن الذي من الممكن ببعض التدقيق أن تلاحظ  بالفعل وجود ثبات في جزء من الشفة السفلية، ولكنها تجاوزت كل ذلك عندما سلمت نفسها للكاميرا بدون شروط مسبقة بينما كثير من النجمات تشترطن زاوية للتصوير ومصور محدد لالتقاط جانب واحد من الوجه تعتقدن أنه الأجمل.

نجحت المخرجة "نجوم الغانم" في أن تقدم من خلال حياة البطلة أوجه الثقافة والحياة في الإمارات كما أنها لم تنافق فى مشاعرها عندما حرصت على التأكيد بأن العودة للوطن هي النهاية الحتمية وأن ما تبقى لديها من زمن من حق بلادها أن تعطيه لها ولكن وجدت أن الأمن السوري يفتش في كل الخصوصيات ولا يسمح بأي مساحة من الاختلاف مع الحاكم بعد أن انتفض الشعب السوري مطالباً بالحرية بينما أغلب الفنانين والمثقفين السوريين يشل حركتهم الخوف من قبضة الأسد.. لم تستطع الاستمرار طويلاً في سوريا كان ينبغي أن تعود إلى الإمارات أو أن تنتقل إلى زوجها حيث يقطن في أثينا لتستجير مرة أخرى بالغربة.

"أمل" قررت أن تعلن رأيها وتقف مع الشعب ضد الطاغية ولم تفعل مثل الأغلبية من الفنانين السوريين الذين ترتعد فرائصهم من مواجهة "الأسد".. الفنان الحقيقي في لحظات مصيرية لا يملك سوى أن ينحاز إلى الشعب حتى وهو موقن أن هناك ثمناً سوف يدفع فقررت "أمل" أن تشارك شعبها ووطنها وتدفع الثمن.

الفيلم تناول الغربة التي تغتال الإنسان مهما كان يعيش في مجتمع بطبعه يرحب بالآخرين على أرضه ويمنح لهم الفرصة كاملة مثل دولة الإمارات إلا أنه في نهاية الأمر يظل يبحث عن نفسه!!

عندما أرادت أن تنهي غربتها لتحقق حلمها في وطنها اكتشفت أن سوريا تعيش في الغربة فقررت أن تؤجل حلمها لتعيش حلم الوطن!!

للإمام "علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه كلمة موحية، فهو يقول "الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن" وكل من شاهد هذا الفيلم واضطر في مرحلة ما من حياته أن يهاجر سوف يجد في حياة "أمل خويجة" شيئاً من حياته.

المخرجة "نجوم الغانم" قدمت فيلماً تسجيلياً ممتعاً عن حياة فنانة سورية عاشت الغربة مرتين!!

tarekelshinnawi@yahoo.com