EN
  • تاريخ النشر: 31 مارس, 2012

الفنان

كمال رمزي

كمال رمزي

فيلم "الفنان" حالة فنية ساحرة، تنساب طوال الساعتين، يقف وراءها المخرج الفرنسي ميشيل هازانافيشيس، محققا أمنية انتابته منذ سنوات

  • تاريخ النشر: 31 مارس, 2012

الفنان

(كمال رمزي) ساركوزي، الرئيس الفرنسي، وجّه في بيان رسمي من قصر الإليزيه، تهنئة حارة، لطاقم فيلم «الفنان»؛ الذي انتزع عدة جوائز أوسكار.. من ناحيته، قدم أوباما، الرئيس الأمريكي، دعوة رسمية، للكلب "يوجيأحد أبطال «الفنان»، لتناول العشاء، في البيت الأبيض.

كل من الرئيسين، معه الحق فيما فعله، ففرنسا، مهد السينما، تعبر عن سعادتها، لأن مبدعيها أثبتوا حضورهم الأثير، فى عالم الأطياف.

أما احتفاء أوباما بالكلب "يوجي»، فإنه يعبر، فى بُعد من أبعاده، عن تقدير بلاد العم سام، للمبدعين، حتى لو كانوا «كلابا»، كما تشير إلى أن «هوليود»، ممثلة في "الأكاديمية" المانحة للأوسكارات، تفتح ذراعيها للموهوبين، من شتى أنحاء العالم.. إنها بلاد تحترم الفن، تنتج وتصنع وتنتشر وتكسب، ولا تنزلق فى مهارات، سمجة ومتخلفة، عما إذا كانت السينما حلالا بلالا، أم حراما وإثما.

"الفنان" حالة فنية ساحرة، تنساب طوال الساعتين، يقف وراءها المخرج الفرنسي ميشيل هازانافيشيس، محققا أمنية انتابته منذ سنوات: تقديم فيلم بالأبيض والأسود، عن زمن السينما الصامتة، وبأسلوبها، يتضمن الكثير من الأحاسيس، يخاطب العواطف، يمس شغاف القلوب، ويؤكد، عقليا، فكرة التطور الحتمي؛ الذي إن لم يستجب المرء له، ويتعايش معه بعد أن يعترف به، فإنه حتما سيضيع.

بطل الفيلم، جورج فالنتاين، بأداء جان دوجان، نجم الأفلام الصامتة، صاحب الوجه الصبوح بعينيه الواسعتين، الشفافتين، وشاربه الرفيع، الأنيق، وابتسامته العذبة، يعيش أزهى سنوات حياته. الأضواء عليه لا تخبو، صوره في المجلات والجرائد وعلى الأفيشات، ومعه كلبه الذكي، الوفي، «يوجي» تنهمر على الشاشة مشاهد سريعة من أفلامه، يبارز عدة أشرار، يقفز من صخرة لأخرى، يرقص تانجو رومانسيا مع جميلة، ويتعمد المونتاج أن يسير وفق أفلام العشرينيات من القرن الماضي، فالنقلات تتم بالإعتام التدريجي من الجانبين، أو بالإخفاء عن طريق دائرة الإظلام التي تضيق، وإلى جانب الأداء التمثيلي المعتمد على تعبيرات الوجه، ثمة الموسيقى المصاحبة طوال العرض، فضلا عن كلام بعض جمل الحوار المكتوبة على الشاشة.. النجم اللامع يلتقي بعاشقة التمثيل المغمورة، الناشئة، بيبي ميللر، بأداء بيونس بيجو، الرقيقة، الموهوبة، يصر على مشاركتها للبطولة، ويضطر المنتج المنزعج للإذعان.

دوام الحال من المحال، الصوت يدخل السينما. الأفلام تنطق. نجوم الصمت يتوارون. فالنتاين لا يصدق، تنتابه الهستيريا، خاصة حين يتم الاستغناء عنه، وفي مشهد متعدد المعاني، يلتقي الفنان الآفل بالصاعدة للمجد، بيبي ميللر، على سلالم إدارة الاستوديو، بينهما عدة درجات، هي تقف بالأعلى، يتبادلان حديثا ودودا، حركة الصعود والهبوط، على السلالم لا تتوقف، هو يودعها لينزل بينما هي تواصل صعودها.. فالنتاين، المصر على البقاء فى الأمس، ينتج فيلما صامتا، بكل ما يملك، وها هي صالة العرض خاوية، إلا من قلة، من بينها بيبي التي تتابع بعينين مغرورقتين بالدموع.. في نوبة غضب، عقب الإفلاس، يقوم فالنتاين بحرق شرائط أفلامه، يسقط وسط الدخان.

كلبه «يوجي» يقفز خارجا، يعدو نحو عسكرى الشرطة، الغبي الشجاع، ينبح بشدة. امرأة عجوز تنبه الشرطي إلى أن الكلب يستنجد به، يجري وراء الكلب، يقتحم مكان الحريق وينقذ النجم المهجور.

"يوجي" في أحد المشاهد، يرى صاحبه وقد كاد يطلق الرصاص على نفسه، يمسك بأسنانه بنطال الرجل كما لو أنه يثنيه عن عزمه. إنه أحد الأبطال بحق.. "بيبيالتي غدت «سوبر ستار»، تصر أن يشاركها فالنتاين البطولة. ذات المنتج الرافض يذعن لإرادتها، مضطرا.. الفيلم ينجح. «الفنان»، عمل إنساني كبير بحق.

* نقلا عن صحيفة "الشروق" القاهرية