EN
  • تاريخ النشر: 16 سبتمبر, 2011

الفضائيات المفترى عليها

fan article

fan article

انتقاد الكاتب لقرار الحكومة المصرية بإغلاق مكتب قناة الجزيرة مباشر في القاهرة

(طارق الشناوي) هل عاد الإعلام المصري للمربع رقم واحد بعد أن تنفس نسمات الحرية خلال الأشهر الماضية التي أعقبت ثورة 25 يناير؟ لقد أصدرت الحكومة المصرية مؤخرا حزمة من القرارات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.. الحجة المعلنة هي مواجهة الانفلات الإعلامي الذي اعتبرته الوجه الآخر للانفلات الأمني الذي تعيشه مصر، ولكن كل القرارات التي اتخذتها الدولة تبدو أنها تتجه إلى تقليص مساحات الحرية التي قامت الثورة من أجلها!! أوقفت الدولة البث لقناة «الجزيرة مباشر مصر» من القاهرة بحجة أنها لم تستكمل الإجراءات الإدارية، ولا تدري كيف سمح لها من قبل بالبث عدة أشهر ثم استيقظت الدولة فجأة واكتشفت أنها لم تحصل على تصريح.. المؤكد أن الدولة أرادت بوقف البث أن تظهر العين الحمراء لكل الفضائيات حتى لا يلاقوا نفس المصير.. قالت الدولة إنها بصدد وضع قواعد لضبط الرسائل الإعلامية من خلال لجنة يجري تشكيلها، فكيف يستقيم هذا في ظل الدعوة لتعدد المنابر، هل تشكل الدولة لجنة ثم لا تدافع اللجنة عن الدولة، إنه نوع من اللعب الإعلامي بعد أن اكتشفت أن الإعلام الرسمي لم يعد يتابعه الأغلبية التي فقدت ثقتها بمصداقية هذا الإعلام قبل وبعد الثورة، فقررت الدولة أن تتشبث أكثر بإخضاع الإعلام الخاص لسيطرتها.

وبعد أن فتحت الباب على مصراعيه لكل من تقدم بإنشاء فضائية جديدة، فسمحت بنحو 25 فضائية وشاهدنا عددا كبيرا من هذه القنوات في شهر رمضان، فجأة تمنع تماما التصريح ولأجل غير مسمى.. وزير الإعلام «أسامة هيكل» أعلن مؤخرا أن الأمر لن يستغرق بضعة أسابيع، إلا أن التوقيت لا يزال غير محدد، وكأننا نستعيد مرة أخرى كل ما عشناه قبل ثورات الربيع العربي، عندما كانت أكثر من دولة عربية تسعى لإصدار ما عرف وقتها بميثاق الشرف الإعلامي المكبل للحريات، وكان وزير الإعلام المصري «أنس الفقي» من أكثر الأصوات ترحيبا بسرعة إصدار الميثاق حتى يتم بمقتضاه تكميم أكثر من قناة فضائية، وتصدى البعض لهذا الاتجاه بل وتحفظ أكثر من وزير إعلام في عدد من الدول العربية على هذا القرار ولم يصدر الميثاق!! مع انتشار الفضائيات قبل أكثر من 15 عاما، بدأت النظم العربية تكتشف أنها لم تعد هي فقط التي تملك الهواء تقدم فيه المعلومة التي تريدها في التوقيت الذي تريده.. كانت الدول تملك التحايل على الحقيقة، تغير الأمر مع الفضاء المفتوح، وبعد اكتشاف الأنظمة العربية أن هناك إعلاما موازيا، بدأت تمارس قدرا من السيطرة على الإعلام الخاص، وعلى الرغم من ذلك فلقد كان قادرا في بعض الأحيان على التحايل.. الإعلام الحكومي كان صوتا مباشرا، بل وفجا للنظام.. الإعلام الخاص الذي يملكه أصحاب رؤوس الأموال هم في نهاية الأمر رجال أعمال، مصالحهم سوف تضار لو أنهم خرجوا عن الخط، وكثيرا ما كان «أنس الفقي»، وزير الإعلام المصري السابق، يتدخل في توجيه الرسالة الإعلامية في القنوات الخاصة، ويحتج أحيانا على استضافة بعض أسماء محددة، وفي الغالب تتم الاستجابة لإرادته.. ويبقى الإعلام العربي الذي يبث من القاهرة من خلال مكاتب المراسلين كانت الشكوى هي أنهم يقدمون الوجه المعارض، متجاهلين رأي الدولة، وتغلبت المكاتب العربية على ذلك في كل حلقة تتناول قضية ساخنة، تستضيف شخصية محسوبة على الحزب الوطني أو عضوا في لجنة السياسات، وفي النهاية كانت مشاعر الناس تنحاز للرأي المعارض، هذا القيد جاء لصالح القنوات العربية!! أثناء الثورة المصرية كانت الدولة تمسك بيد من حديد باستخدام كل وسائل التضييق على الفضائيات حتى تضمن ألا يخرج صوت بعيدا عن هيمنتها.

الفضائيات العربية تمتعت بقدر أكبر قليلا من الحرية، ولهذا اتهمت بإشعال الثورة في مصر، وهو ما ردده بعد ذلك «القذافي» واعتبرها ناكرة للعيش والملح، ولا يزال «بشار الأسد» يعلن هو وإعلامه الرسمي أن الفضائيات هي التي صنعت الثورة في سوريا عن طريق الخداع البصري، لأنها تصنع من «الحبة قبة»، وأنهم عن طريق تقنية «الفوتوشوب» بالكومبيوتر يتلاعبون في الصور المعروضة، يوهمون المشاهد أن المتظاهرين بالآلاف بينما هم لا يتجاوزن العشرات، واتهمت الفضائيات بأنها الأداة لتنفيذ مخطط الأجندات الأجنبية بإشعال الثورات في تلك الدول، على الرغم من أنها لم تفعل شيئا أكثر من أنها حاولت، على الرغم من التضييق، أن تنقل جزءا مسكوتا عنه من الحقيقة.. هل حقا أن الذي أقام الثورة في مصر هي القنوات الفضائية، وأن قناتي «الجزيرة» و«العربية» في بداية الثورة لعبتا هذا الدور؟ لقد صدر الإعلام الرسمي المصري في بداية الثورة تلك المقولة، حتى إن بعض اللقاءات التلفزيونية الرسمية كانت لا ترى في الثورة إلا مجرد محاولة من قناة «الجزيرة» القطرية لزعزعة الاستقرار في مصر.. وضعت الدولة يدها بقسوة لكي تخنق القناة، ألغت ترددها على القمر الصناعي، أغلقت مكتبها في القاهرة، وطاردت المذيعين الذين يعملون في مكتبها، وفوجئ المسؤولون بأن المعتصمين في ميدان التحرير يضعون شاشات كبيرة في الميدان ويضبطون التردد الجديد، وكذلك فعل المواطنون في بيوتهم، وصارت اللعبة تبدو مثيرة وخائبة في نفس الوقت، حيث إن التردد الهندسي يتغير بينما الناس تبحث عن القناة.. ثم وجدت الدولة أن القنوات العربية الأخرى دخلت بجرأة وانضمت لرأي الشارع وليس للرأي الرسمي الذي كان التلفزيون الحكومي يروج له، على اعتبار أن ما يجري مجرد زوبعة سوف تنتهي.. قناة «العربية»، على سبيل المثال، كانت في الميدان وانحازت للثورة وتعرضت للكثير من المضايقات، صحيح أن الدولة لم تستطع أن تلغي التردد أو تغلق المكتب، إلا أنها لجأت إلى ما هو أكثر ضراوة، وهو إرسال بعض البلطجية إلى المكتب لإثارة الذعر لدى العاملين في القناة العربية، وكان رهان القناة هو الصدق، فكانت تحرص على أن تنقل وجهتي النظر، بينما الإعلام المصري الرسمي كان يبدو أثناء الثورة خارج الزمن، فهو لا ينقل للمشاهدين سوى صورة لكوبري 6 أكتوبر يبدو فيها أن «الدنيا ربيع والجو بديع وقفلي على كل المواضيع».. هكذا كان الجمهور يبحث عن الحقيقة خارج إطار «ماسبيرو»، نجحت أيضا الـ«بي بي سي» البريطانية و«الحرة» الأميركية في أن تجذبه إليها.. كانت القنوات الخاصة المصرية، خاصة «المحور» بنسبة كبيرة تليها «دريم»، تبدو كأن أصحابها يخشون من قول الحقيقة التي ربما تغضب الدولة، ثم تغيرت الدفة تماما بعد نجاح الثورة وأصبح التلفزيون المصري الرسمي يلعب في مساحة أخرى تماما، ويقدم برنامجه من خلال ما يراه شباب التحرير إلا أنه فقد تماما مصداقيته!! وبعد نجاح الثورة المصرية، شاهدنا الثورة الليبية وبدأ «معمر القذافي» في مهاجمة الفضائيات، وخاصة «الجزيرة» و«العربية»، ووجه لهما أفظع الألفاظ، وبالطبع فإن ليبيا تبدو بعيدة تماما عن هذا الزخم الفضائي، فلا توجد حرية تسمح لأي قناة بالتصوير سوى للتلفزيون الرسمي، فهو يقدم فقط وجهة النظر الرسمية التي تؤكد أن بعض متعاطي حبوب الهلوسة هم الجناة الذين فقدوا عقولهم فقرروا أن يشعلوها ثورة، وعلى الرغم من ذلك فإن الموبايل صار هو السلاح الذي لم يستطع الطغاة السيطرة عليه وانطلقت تلك الصور إلى النت وإلى الفضائيات، ولم يعد هناك ما يمكن أن نعتبره سريا.. «مارشال ماكلهان» عالم الاتصال الشهير قالها قبل أكثر من مائة عام عند اختراع الموجات اللاسلكية، أن العالم أصبح قرية صغيرة، ولكن بالتأكيد فإن تأثير الصور المرئية التي تنقل الحدث مباشرة أحال العالم إلى قرية صغيرة.. «معمر» الآن عن طريق موجة إذاعية يقدم بين الحين والآخر من مخبئه رسائل إذاعية يؤكد من خلالها أنه باق في ليبيا ولن يستسلم.. «بشار الأسد» لا يسمح لأي قناة تلفزيونية بالوجود في الشارع إلا إذا كانت تابعة له، إلا أن هناك نحو 10 فضائيات خاصة وهي تبث إرسالها لدعم الثوار من خارج سوريا!! لقد تغيرت بالتأكيد الدنيا بعد الفضائيات مثلما تغيرت بعد انتشار الموجات اللاسلكية، وكانت تلعب هذا الدور القيادي في العالم العربي إذاعة «صوت العرب» منذ عام 1953، وارتبطت إذاعة صوت العرب بكل الأحداث العربية، وكان صوت الإذاعي «أحمد سعيد» أشهر صوت ساهم في العديد من الثورات العربية في مرحلة الخمسينات، وأشعل حماس الجماهير في الوطن العربي في العراق وسوريا والجزائر وتونس واليمن، إلى درجة أنهم كانوا يطلقون على الإذاعة في العالم العربي خلال تلك السنوات وحتى منتصف الستينات اسم صندوق «أحمد سعيد»، وقال لي هذا الإذاعي الكبير - متعه الله بالصحة والعافية - إن كراريس الطلبة في اليمن كانت توضع عليها صوره مع كل من «جمال عبد الناصر» والمشير «عبد الحكيم عامر»!! الزمن طرح قوة أكبر للفضائيات، صار الحدث الذي يراه الناس على الشاشة هو البطل ولم يعد المذيع هو البطل مثلما عشنا في زمن «أحمد سعيد»، ولهذا دفع «أحمد سعيد» ثمن هزيمة 67، حيث اختفى صوته تماما من الإذاعات كلها. ثم ظهر «الصحاف» في العراق الذي كان يسير على نهج مدرسة «أحمد سعيد» في تأكيد انتصار صدام ثم اختفى، وبعد إلقاء القبض عليه وحصوله على البراءة اكتشف الناس أنه كان متخصصا في الكذب حتى على المستوى الشخصي، كان شعره في الحقيقة ناصع البياض بينما كانت الصبغة تحيله أثناء إلقائه للبيانات العسكرية إلى اللون الأسود بل فاقع السواد، وفي سوريا الآن تلعب هذا الدور «بثينة شعبان»!! وعلى الرغم من ذلك، فإن الثورات لم تشعلها الفضائيات، ولكن الظلم الذي عانته الشعوب كان هو وقود هذه الثورات، فانتفضت الشعوب وكانت الفضائيات فرصة لكي يرى الناس الحقيقة ويشعروا بأنه من الممكن للشعوب أن تحصل على حريتها.. شاهد المصريون «بن علي» يقول للشعب التونسي «الآن فهمتكم» ثم يسافر إلى السعودية، فقرروا أن يتمسكوا برحيل «حسني مبارك» عن الحكم ثم محاكمته. وأخذوا الشعار التونسي «الشعب يريد إسقاط الرئيس» من الفضائيات وكرروه مع تنويعات جديدة، وأصبح في ليبيا «الشعب يريد إسقاط العقيد» حتى أسقطوه، وهو ما ينتظر «صالح» في اليمن و«بشار» في سوريا.. ولم يخل الأمر في عز الثورات من طرائف انتشرت عبر النت وانطلقت إلى الفضائيات عن الرجل الواقف خلف «عمر سليمان» والمرأة الواقفة خلف «القذافي»!! الذين يحاولون إعادة عقارب الزمن للوراء يراهنون على المستحيل، فإذا منعت مثلا البث على الـ«نايل سات» سوف ينطلقون من «العرب سات».. وإذا قالت مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية لن نسمح بالتصوير في الاستوديوهات، فسوف ينطلقون إلى استديوهات الهواء في دبي أو بيروت أو عمان أو لندن.

ليس من الحكمة أن نخاصم الزمن ونناصب الإعلام العداء.. نعم هناك انفلات من عدد من الفضائيات، إلا أن التجربة أثبتت أن تلك القنوات المنفلتة تفقد مع الزمن جمهورها وتأثيرها، ثم إن النظم قبل وبعد الثورات العربية لا يعنيها في واقع الأمر ضبط الانفلات ولكن الحفاظ على بقائها في الحكم، وهي مستعدة أن تدفع الثمن حتى ولو كان الثمن هو إجهاض الحريات بإغلاق الفضائيات.

 

نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية