EN
  • تاريخ النشر: 06 ديسمبر, 2011

الشاشة وصخب الشارع

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

أصبحت الفضائيات تهتم أكثر بنقل نبض الشارع خاصة بعد ثورات الربيع العربي مما أحدث ثورة في التلفزة التي راحت تصغي الى صوت الثائرين

(إبراهيم حاج عبدي) لم يعد تعبير «الشارع المصري» أو «الشارع السوري» أو المغربي أو التونسي... الخ، مجرد عبارة تقال جزافاً. فهذا التعبير الذي ينطوي على مضامين ودلالات متنوعة ومتعددة، ويشير إلى العابر والمهمش والمنسي، راح يجد تجسيداً حقيقياً له على الشاشات. فالفضائيات التي كانت، وحتى وقت قريب، حكراً على نخبة من المحللين السياسين والخبراء والباحثين، ناهيك عن المسؤولين الرسميين، شرعت تستطلع آراء هذا الشارع وتعكس مستوياته الثقافية المتباينة، وتسعى الى تلمس نبضه المتعب. ولعل هذا ما عبر عنه الناقد السعودي عبدالله الغذامي في كتابه «الثقافة التلفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي".

ومع ان الكتاب المشار إليه صدر قبل نحو خمس سنوات، فإن «الربيع العربي» كرس المنحى الشعبي للتلفزيون على نحو يعد سابقة. ها هي وجوه من الشارع مجهولة الهوية، غريبة الملامح تطل من بين الزحام لتحتل الشاشات صباح مساء، كما ان التظاهرات الحاشدة في ميادين العواصم والمدن العربية اصبحت مشهداً متكرراً، وهؤلاء ليسوا مجرد كومبارس في فيلم سينمائي ضخم الانتاج، بل هم «ملايين أفاقت من كراها» تبحث عن الحرية والكرامة المهدورة.

وإزاء هذا «الغليان الشعبي» لم يعد «الرأي السديد» صادراً عن أصحاب القرار والساسة الرسميين الذين حولوا الشاشات الوطنية المحلية، ولعقود، الى قنوات للتضليل والنفاق، ذلك ان شعاراتهم البرّاقة ووعودهم الوردية الزاهية بدأت تصطدم بمآسي الواقع البائس، وإذ وجد الجمهور العادي منابر للبوح والشكوى، كان سهلاً عليه أن يدحض كلام الساسة لمجرد الجهر بعفوية عن همومه وأوجاعه ومعاناته وأسئلته.

وفي برنامج «النقاش»، مثلاً، الذي يقدم على شاشة «فرانس 24»، نجد ان المذيع لا يكتفي بطرح أسئلته على الضيوف، بل هو يستقبل عبر «فايسبوك» أسئلة من رحم الشارع المنتفض ثم ينقل هذه الاسئلة الى الضيوف. كما ان برنامج «الاتجاه المعاكس»، مثلاً، ينطلق من نتائج تصويت مفتوح أمام الجمهور حول سؤال يختزل موضوع الحلقة، ومثلهما الكثير من برامج أخرى تتكئ على ما يصلها من صخب الشارع.

أكثر من ذلك، فإن الانتخابات التي كانت، وحتى وقت قريب، شأناً داخلياً يأتي ويمضي من دون أن يهتم به أحد لأنها كانت تأخذ طابعاً شكلياً بعيداً من النزاهة، غدت، بدورها، حدثاً سياسياً مهيباً ترصد له الفضائيات كل امكاناتها وتخصص لها مساحات واسعة من البث كما رأينا، أخيراً، في الانتخابات التونسية والمغربية والمصرية. بهذا المعنى، فإن الثورات التي اندلعت في العالم العربي لم تحدث تغييراً في بنى المجتمع المتكلسة فحسب، بل أحدثت، كذلك، ثورة في التلفزة التي راحت تصغي الى صوت الثائرين وتبحث في الزوايا والأزقة المنسية عن أنين لطالما ظل خافتاً لعقود.

* نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية