EN
  • تاريخ النشر: 18 يونيو, 2012

الدراما وتزييف العقل العربي

fan article

المسلسلات المدبلجة التي دخلت البيوت من جميع المداخل، يتولى كتابتها أدعياء ثقافة وظيفتهم اختلاق مواقف درامية مشحونة بالإثارة، لدغدغة مشاعر رجال ونساء وفتيات أميين أو أنصاف أميين

  • تاريخ النشر: 18 يونيو, 2012

الدراما وتزييف العقل العربي

(د. موزة أحمد راشد العبار) مر عام ونصف على الربيع العربي، الذي استبشر به شباب بلدان الثورات خيراً وأملاً، وتطلعاً لمستقبل مجتمعات جديدة ترفرف فيها رايات الانعتاق من سيطرة النظم التي خرجوا عليها، ولم تمض شهور حتى راحت الرياح تهب في الاتجاه المعاكس، وبدأت تلوح في الأفق البدايات الأولى لنظرية المؤامرة، وما إن فتحت أبواب السجون حتى خرجت أعداد كبيرة من المتحفظ عليهم، ورأينا بأعيننا مظاهر بلطجية الشوارع يلوحون تارة بالعصي وأحيانا بالسكاكين والخناجر وزجاجات المولوتوف، فتغيرت صورة ثورات الربيع العربي إلى الخريف العربي.

لقد أدى الشعور بالخيبة والانكسار إلى تراكم الشعور بالإحباط، وهي حالة أعتقد أنها ستلازم هذا الجيل والأجيال القادمة سنوات طويلة، وستظهر تداعياتها على شكل تمرد وعصيان ورفض لم يسبق له مثيل.

في هذه الظروف الاستثنائية أدار الناس ظهورهم للقنوات الإخبارية، هربا من أنباء لا تحمل معها إلا رائحة الدم المسفوح والأعيرة النارية وقصف القنابل، وكان الملاذ هو المسلسلات المدبلجة التي دخلت البيوت من جميع المداخل، يتولى كتابتها أدعياء ثقافة وظيفتهم اختلاق مواقف درامية مشحونة بالإثارة، لدغدغة مشاعر رجال ونساء وفتيات أميين أو أنصاف أميين، يبحثون عن الوسائل التي تنأى بهم عن إيقاع الحياة الروتيني، وآخرين ممن يجدون أنفسهم في قلب المشكلات العاطفية التي تجري بها ومعها حلقات المسلسل، ليصبح حقنة مخدرة لتخفيف معاناة ذاتية مكبوتة في دواخل النفس.

يرى بعض علماء النفس أن الإنسان، أي إنسان، لا يخلو من مشكلة، وأن أغلبية الناس لا يبيحون بأوجاعهم الشخصية، وحتى لا يقعوا ضحية المتاعب يسعى الفرد لمن يعينه على الحل، وهناك من يبوح بمكنون نفسه إلى صديق أو صديقة لتعينه أو تعينها على ما استعصى من حلول. والبقية الباقية ترى أن المسلسلات تمثل عيادات نفسية يجد فيها كل من لديه مشكلة عاطفية أو نفسية أو اجتماعية، حلا ولو مؤقتا لما يعانيه من مشاكل.

كان المشاهد طوال حقب السبعينات يتابع الأفلام السينمائية المأخوذة من روايات عالمية أو روايات لكتاب مرموقين، وما زال الناس يذكرون تلك الأفلام الرائعة وجيل الممثلين الرائعين من نجوم السينما المصرية السابقين.

ولم تمض أعوام حتى تم إغراق السوق بكم هائل من المسلسلات الهابطة، التي حملت أسماء غريبة وكان هدفها الأساسي تقليد السينما الغربية، ليحل مسلسل يستمر عرضه شهرا بدلا عن فيلم يعرض في ليلة، لضمان عائد مادي أكبر. وأدى اللهاث وراء المال إلى فقدان المضمون، وأصبح المخرج مطالبا بحشو المسلسل بمشاهد عبثية، لتستمر الحلقات بأي شكل ثلاثين يوما.. وهكذا تم اغتيال السينما العربية.

وأطلت علينا برأسها موجة المسلسلات الأجنبية المدبلجة لإشباع رغبة المشاهدين، وبدا واضحا أن الأعمال الدرامية العربية في موقف لا تحسد عليه، كما أن السينما العربية طالت إقامتها في غرفة الإنعاش وتحتاج إلى نقل دم. وحاليا يتحدث الناس عن المسلسلات التركية التي لقيت قبولا، بسبب روعة التصوير وجمال المناظر الطبيعية في المناطق الريفية التركية.

وأنا واثقة بأن آلاف الناس سيشدون الرحال لقضاء عطلة الصيف في ربوع تركيا الخضراء، بسبب تأثير المسلسلات التي تم إنتاجها لتخدم مجموعة من الأهداف السياحية والاقتصادية والسياسية، فضلا عن أهداف ثقافية تم التخطيط لها بعناية فائقة، للترويج لأدوار تسعى تركيا لأن تلعبها في المنطقة، وهي لا تفوت على فطنة المشاهد الذكي.

لقد سهل عصر العولمة والفضاء المفتوح لبعض الدول تمرير أجندة خفية، يجري التخطيط لها بعناية من قبل فرق متخصصة في عملية غسيل المخ وتزييف العقول. ولهذا على الجهات المسؤولة عن الثقافة والهوية الوطنية والإعلام أن تكون أكثر يقظة، لأن الأمن الثقافي يعتبر خط الدفاع الأول ضد محاولات طمس هويتنا العربية، وقد سبقتنا دول عديدة لا تسمح بعرض أي مسلسل أجنبي إلا بعد موافقة "لجنة متخصصةحتى لا تتسلل أي أفكار يروج لها الفيلم أو المسلسل الأجنبي في غياب الرقابة. والسؤال؛ هل توجد رقابة فعلاً على هذه المسلسلات المدبلجة؟

 

* نقلا عن صحيفة "البيان" الإماراتية.