EN
  • تاريخ النشر: 18 مارس, 2012

الأخوان داردين.. درامـا الشقاء وتراجيديا الحياة اليومية

fan article

fan article

نسمع في أفلام الأخوين البلجيكيين جان بيير ولوك داردين المؤثرات الصوتية مع «جنريك» الفيلم، كما لو أنها تتمتم بما ستفتح الكاميرا عليه في اللقطة الأولى

  • تاريخ النشر: 18 مارس, 2012

الأخوان داردين.. درامـا الشقاء وتراجيديا الحياة اليومية

(زياد عبد الله) نسمع في أفلام الأخوين البلجيكيين جان بيير ولوك داردين المؤثرات الصوتية مع «جنريك» الفيلم، كما لو أنها تتمتم بما ستفتح الكاميرا عليه في اللقطة الأولى، والتي ستبدأ درامياً ـ كما تعودنا معهما ـ مع الحدث الرئيس في الفيلم. إنها الشخصية الرئيسة التي سنقع عليها وهي تصل أزمتها من البداية، ولنمضي معها في حركية عالية جداً لن تتوقف إلا بقطع الفيلم في النهاية، وقد صارت في الضفة الأخرى من أزمتها.

إيجور في The Promise (الوعد)، ،1996 يسرق محفظة السيدة التي تسأله مساعدتها في إصلاح سيارتها بالورشة التي يعمل بها. روزيتا تطرد من عملها بينما تجابه ذلك بالصراخ ولا تخرج من المعمل إلا بقوة رجال الشرطة في Rosetta (روزيتا) (سعفة كان الذهبية 1999). يتلقى أوليفييه ملف فتى يريد الالتحاق بورشته لتدريب الأحداث على النجارة في The Son (الابن). سونيا تحمل طفلاً رضيعاً وتصعد به درجات مبنى، وتقرع باب شقة بعصبية في The Child (الطفل) (سعفة كان الذهبية 2005). لورنا تودع مبلغاً من المال في البنك وتريد أن تحصل على قرض، كونها ستنال الجنسية البلجيكية في «صمت لورنا» ،2008 سيريل يسعى للاتصال بوالده، بينما أستاذه يخبره بأن والده قد تغير عنوانه، ولا يعرفون عنوانه الجديد في The Kid with a Bike (الفتى ذو الدراجة) (الجائزة الكبرى في كان 2011).

هذه اللقطات الافتتاحية ستتبع بما يمكن للحياة أن تقترحه درامياً في حال كل شخصية من الشخصيات، وستتولى الكاميرا المحمولة نقل ذلك إلينا، مع ممثلين يظهرون للمرة الأولى مثلما هي الحال مع ايميلي ديكوني التي جسدت روزيتا ونالت جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «كان» ،1999 كذلك الأمر مع مورغان ماريني في «الابن»، وتوماس دوريه في «الفتى ذو الدراجة» وآخرين، بينما سيتكرر الممثلون المحترفون في أفلامهم كما هي الحال جيرمي رينير وأوليفييه جورميه، إذ سيكون تصوير الأخير غالباً من الخلف في «الابن» ونحن لا نرى تعابير وجهه على ما يتلقاه ويعايشه. كل تلك الشخصيات تنتمي للطبقة العاملة أو من المهاجرين الشرعيين أو غير الشرعيين، والباب مفتوح على مصراعيه في أفلامهما لمعاينة الهوامش، وبناء الدراما وفق المعطيات الاقتصادية والاجتماعية في وطنهما بلجيكا، ما يضعنا أمام أحوال البشر في ظل رأسمالية لا ترأف بهم، ودائماً باتكاء على الروابط الأسرية المفككة: الابن والأب، الابنة والأم، وما يعتري علاقتهما من تشويه واستدعاء للظروف المحيطة بكل واحد منهما، وحين لا يكون ذلك وارداً فهناك الوهم أيضاً، وهم لورنا بأنها حامل.

بدأ جان بيير (1951)، ولوك (1954) داردين مسيرتهما السينمائية بأفلام وثائقية متمركزة حول الطبقة العاملة وقصصها ومشكلاتها، لكنهما سرعان ما اكتشفا أن ما يقومان به ليس إلا معبر نحو الروائي، فقد كانا حسب ما يقولان يوجهان من يصوران في أفلامهما الوثائقية ويدفعانه باتجاه أن يقوم بما يريدان تصويره، وليكون عبورهما إلى الروائي أمرا لا مفر منه، في عام 1987 مع فيلم Falsch (مزيفوالذي لا يعتبرانه فيلماً ينتمي لما أرادا القيام به، وليكون «الوعد» 1999 ما صادقا عليه، بوصفه بدايتهما السينمائية الروائية الطويلة.

أفلام داردين مشغولة تماماً بالتسلح بكل ما يمنحها صدقاً حياتياً، ما من موسيقى تصويرية، الكاميرا محمولة، الشخصيات لا تتوقف عن الحركة، اللقطات الطويلة لا تكون ثابتة أبداً، مواقع التصوير خارجية في الأغلب، وهذه المواقع في نطاق جغرافي واحد في جميع أفلامهما وهي المدينة نفسها، فهناك المعمل والنهر والغابة إلى جوار المدينة والطرقات السريعة أو الضواحي العمالية الهادئة، ورهان الأفلام السبعة التي نمضي خلفها هو على شخصية بعينها وعلاقة اجتماعية واحدة تكون متهددة ومأزومة، وفي أحيان قليلة ذات ماض سرعان ما يتضح، وبداية أفلامهما بالأزمة مباشرة لا يقود إلا لمزيد من الأزمات، ولا يمكن في الوقت نفسه توقع ردود فعل الشخصيات، لأنها تقدم لنا دون أي خلفية، وهي حقيقية لدرجة أننا نكتشف معها ما الذي ستفعل بخصوص ما تواجهه، وفي هذا منحى تشويقي إن شئتم، وهذا آت من اتباع الأخوين داردين العمل على حركة الممثل فيزيولوجياً، في انحياز تام للفعل، وفي اتباع زمن أفقي لن يكون إلا حاضر الشخصية، فما من مونولوج أو «فلاش باك»، والحوار متقشف، وما من شيء يبعد الكاميرا عن الشخصية وفعلها، وقد يكون الفيلم في ثلاثة أرباعه «كلوز آب» على الشخصية الرئيسة.

تستدعي أفلام الأخوين داردين الاستعانة ببرتولد بريشت بعيداً عن «التغريب»، وهو يقول «إن المهم في كل عمل فني هو الحقيقة الاجتماعية لهذا يجب ألا يقارن العمل الفني مع غيره من الأعمال وإنما مع الحياة نفسها»، وعليه فإنني أتبنى ذلك وبقوة في مقاربة أفلامهما، إضافة لمنهج ستانيسلافسكي في «طريقة الأفعال الفيزيولوجية»، إذ التمثيل لدى الأخوين داردين وبناء الشخصيات يكونان وفق ما يقوله ستانيسلافسكي في هذا الخصوص، أي «كل لحظة فعل ترتبط بشعور محدد، وكل شعور يستدعي بدوره فعلاً محدداً». ويضيف ستانيسلافسكي «عندما تسجلون منطق وتتابع الأحداث، سيظهر عندكم خط الشعور الذي تبحثون عنه»، والنتيجة أن الفعل في أفلامهما يجمع في وحدة تامة بين النفسي والفيزيولوجي.

وضع ذلك لدى مقاربة أفلام الأخوين داردين سيكون بمثابة معبر إليها، وهنا يجدر الحديث عن أن منجزهما أو التحدي الذي يواجه كل فيلم يصنعانه يكون في الإطباق على المحرك الرئيس للعملية الفنية، ألا وهي العلاقة المتبادلة بين الشكل والمضمون، من خلال معالجة «عملية بناء الواقع».

مع إيجور الذي لم يتجاوز الـ14 من عمره سنكون مع علاقته بوالده الذي لا يقبل أن يناديه بأبي، إنه اليد اليمنى له في أعماله التي تتمثل في إيواء المهاجرين غير الشرعيين، وإيغور يؤدي المطلوب منه على أكمل وجه، وبالخفة المطلوبة لأعمال كهذه، تكون دناءتها المتوارية فعلاً يومياً يلتقي وكسب الرزق وتجميع المال. إيغور مع والده رجل، وبعيداً عنه يسعى لأن يسرق أفراحه الحقيقية في تركيب دراجة نارية واللهو واللعب الطفوليين، مع والده يدخن ويشرب، لا بل يسعى والده لأن يجرب النساء من خلاله، وفي المرة الوحيدة التي تخرج علينا موسيقى تكون في مشهد لإيغور ووالده يغنيان في إحدى الحانات.

نقطة انقلاب إيجور الدرامية ستكون من خلال تعاونه مع والده على إخفاء جثة ذلك العامل الإفريقي «غير الشرعي»، الذي يقع عن صقالة البناء والذي كان من الممكن إسعافه، وعليه ستنقلب حالة إيغور المتواطئة مع والده إلى استقلال عنه في مساعدة زوجة ذلك العامل وابنها الرضيع.

بالانتقال إلى «روزيتا»، فإننا سنمضي معها والكاميرا تلاحقها بإيقاع لا يهدأ أبداً. وجه روزيتا يحتل الكادر، وهي متوترة وعدائية على الدوام، ثمة آلام في البطن تداهمها فجأة فتضع مجفف الشعر على بطنها لتخفيفها، تعيش في «كارفان» عليها أن تقطع غابة للوصول إليها، وأمها كحولية ومصدر وجعها، وعلى صراع دائم معها.

كل ما تريده «روزيتا» هو أن تعمل، أن تحصّل رزقها بعرق جبينها، هذا هو كل ما يشكل منبع أفعالها وردود أفعالها لدرجة أنها ستفعل كل شيء لتحقيق ذلك ومن ثم ستتخلى عنه، بما في ذلك الوشاية بريكو الذي يحبها ويساعدها، إذ لا مساحة للحب عندها، لا بل إن «دور العمل في تحويل القرد إلى الإنسان» سيصبح معها مقلوباً أي «دور العمل في تحويل الإنسان إلى قرد».

الفيلم مدهش بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وفيه أجمل وأغرب لقاء بين امرأة ورجل، وذلك حين تلجأ «روزيتا» إلى ريكو، إذ يقوم الأخير بالوقوف على يديه لتأكيد أنه كان بطلاً في الجمباز، ووضعه شريط كاسيت لتمارينه على «الدرامز» الذي تتخلله أغنية ما أن يبدأ بالرقص مع روزيتا على أنغامها حتى يعود «الدرامز» وهكذا.

يلتقي «الابن» في تمركزه في اللقطات المقربة لأوليفييه مع «روزيتا»، لكن ليكون «الكلوز آب» من الخلف على الأغلب، وهنا المعبر الدرامي للفيلم سيكون قادماً من ماضي أوليفييه، كما أن الإيقاع أبطأ من «روزيتا»، بما ينسجم مع أوليفييه صاحب البنية المتينة، معلم النجارة الذي يعاني آلام الظهر، والذي سينضم إلى الورشة التي يدرب فيها الأحداث فتى سنكتشف أنه قاتل ابنه الوحيد.

بعد «الابن» يأتي «الطفل»، والذي له أن يكون ابن سونيا، لكن ما من شيء يجعله ابن برونو الذي سيبيعه، الزلة التي ستكلفه غالياً، وستفتح أمامه الباب على مصراعيه للانهيار تماماً. استعادة الطفل لن تعيد إليه سونيا، والسرقات الصغيرة والتفاهة لن تكفي طالما أن هناك من يهدده، فينتقل إلى سرقة أكبر، لكن كل ذلك لن يمنع نبالته أن تظهر في النهاية، برونو لن يجد إلا البكاء ليقول كل شيء في النهاية وسونيا تزوره في السجن.

«صمت لورنا» متصل ومنفصل في آن مع الأفلام السابقة، لورنا ليست إلا امرأة ألبانية متزوجة على الورق من كلودي مدمن المخدرات البلجيكي لا لشيء إلا لتحصل على الجنسية البلجيكية. كل شيء في حياتها يمضي على أحسن ما يرام، تجمع الكثير من المال وستبدأ مشروعها الخاص هي وحبيبها سوكول، ومع حصولها على الجنسية فإن فابيو (رجل المافيا الألبانية) سيسعى لتزويجها بروسي لينال هذا الأخير الجنسية أيضاً لقاء مبلغ كبير من المال، وعليه فيجب التخلص من كلودي.

تفعل لورنا كل شيء ليكون الأمر طلاقاً عادياً، بينما يتخلص منه فابيو بقتله عن طريق جرعة زائدة من المخدرات، عقدة ذنب لورنا ستقودها إلى الوهم، الذي لن تجد إلا فيه ملاذها، خصوصا بعد انتصار مشاعرها تجاه كلودي قبل مقتله، ستتوهم أنها حامل منه وسيتركها الأخوان داردين وحيدة في الغابة تهدهد جنينها الوهمي.

الأخوان داردين، ومن خلال أفلامهما التي مررنا عليها، يعرفان جيداً أن هناك علاقة معقدة بين الرغبة والفعل، وهي تتعلق بالظروف الاجتماعية وبطبع الشخصية وبالآخرين والبيئة التي يعيش فيها الإنسان، وإن الدوافع والأهداف والحاجات والأفعال يمكن أن تتطابق وتتناقض، وأن تمتلك علاقات تبادلية معقدة جداً، وهذا التعقيد لن يكون ظاهرياً إلا مقدماً ببساطة أسلوبية مدهشة

* نفلا عن صحيفة الإمارات اليوم