EN
  • تاريخ النشر: 30 أبريل, 2012

«ألعاب الجوع»..الخيال تزييني والشبع مؤكد

fan article

يوهمنا فيلم «ألعاب الجوع» بأنه يضيء على شيء من أن العالم قد صار على ما صار عليه في الفيلم بالاستناد إلى ما نعيشه في حاضرنا، حيث الانقسام الكبير بين المركز والأطراف

  • تاريخ النشر: 30 أبريل, 2012

«ألعاب الجوع»..الخيال تزييني والشبع مؤكد

(زياد عبدالله) يحضر فيلم The Hunger Games «ألعاب الجوع» الذي حملته لنا دور العرض المحلية بوصفه فيلماً ينتمي إلى الخيال العلمي، وعلى شيء يجعل من تتبع هذا الخيال مقاربة للخلطة التي قام عليها الفيلم التي ستجعل من هذا الخيال إطاراً عاماً، بما يتيح الفرصة ضمن هذا الاطار لتحلي الفيلم بالكثير من «الأكشن» و«الرومانس»، بحيث تصير تلك الصفتان ما يشغل الفيلم وما يشكل رهانه وليس الخيال الذي مهما حاولنا أن نجد له مبررات درامية فلن يتجاوز الأكسسوار.

يوهمنا فيلم «ألعاب الجوع» بأنه يضيء على شيء من أن العالم قد صار على ما صار عليه في الفيلم بالاستناد إلى ما نعيشه في حاضرنا، حيث الانقسام الكبير بين المركز والأطراف، فليس في عالم الفيلم سوى 12 مقاطعة يعيش فيها البشر كما لو أنهم عبيد، بينما يتمركز كل شيء في «الكابيتول» التي ستكون مدينة ما بعد حداثوية، على شيء من «متروبوليس» فريتز لانغ، أو واشنطن المستقبلية التي لن تكون في الفيلم إلا روما حيث تتمركز طبقة الأسياد الذين سيظهرون في الفيلم في أزياء لها أن تلتقي وأزياء نبلاء أوروبا في القرن الـ17 بينما تكون أزياء سكان المقاطعات أقرب للملابس العادية للقرن العشرين، والذين سيكونون كما سيتيح لنا الفيلم الاستنتاج قد أخضعوا سكان المقاطعات بعد تمرد أولئك، وحولوهم إلى مواد ترفيهية تتمثل بألعاب الجوع التي على سكان المقاطعات أن ينخرطوا بها في استجابة للقرعة التي تقام في كل مقاطعة لاختيار فتى وفتاة لخوض غمار تلك الألعاب العجيبة.

لا تستدعي المصائر في فيلم «ألعاب الجوع» اقتراحات خارجة عن مفاتيح أي فيلم تجاري، وليس الحديث عن الإنتاج المستقل للفيلم، ما يقود إلى وضعه في سياق إنتاجات السينما المستقلة بل الحديث ربما عن الميزانية المنخفضة التي نفذ فيها ومن ثم نجاحه الكبير على شباك التذاكر (لم تتجاوز ميزانيته 100 ألف دولار) وهذا عائد في جزء منه إلى رواج الثلاثية الروائية المأخوذ عنها، وأعود هنا إلى الإيهام الذي وضعنا حياله الفيلم بأنه يقدم مساحة خيالية على اتصال بحقائق انسانية، كونه سيفرط فيها عن طيب خاطر، فالحديث كما في المقطع السابق عن أنه يقدم عالماً هو ليس إلا عالمنا اليوم لكن في أخذ ذلك إلى ما يتناسب مع المخيلة التي سرعان ما سيسقط من حسابات مخرج الفيلم غاري روس الذي أسهم في تحويل الثلاثية الروائية التي ألفتها سوزان كولينز بعنوان «ألعاب الجوع» إلى الفيلم الذي شاهدناه، بل إن ما قدم الفيلم نفسه سرعان ما يتحول إلى شيء شبيه بما «ترومان شو» لكن جماعي قائم على صراع البقاء ومن ثم إجراء تعديلات على قوانين ألعاب الجوع ليكون المسموح به فوز شاب وشابة من المقاطعة نفسها بما يتيح هنا دخول الفيلم في نفق الحب.

لن نعرف جيداً ما الذي حصل ليتحول العالم على ما ظهر علينا في الفيلم، لكن هناك اضطرابات وثورات قامت ومن ثم أخضع أصحابها تماماً، ومع تقسيم الفيلم وحركته في زمنه السردي سيكون هناك اضطراب كثير أيضاً، وحين يحضر فريق «ألعاب الجوع» إلى المقاطعة 12 سيتم اختيار أخت كاتنيس ولتقوم الأخيرة بالتطوع للمشاركة بالألعاب كما لو أنها تفتدي أختها، ومن ثم سيختار بالنسبة للذكور بيتا، ومن ثم سيمضيان في قطار سريع إلى «الكابيتول» للاستعداد والمشاركة في ألعاب الجوع مع بقية المشاركين من المقاطعات الأخرى.

مشاهدة الكلمة التي تلقيها تلك المرأة المتبرجة ذات الشعر المستعار الأشقر ومن ثم الفيلم الذي تعرضه وكل ما يحيط يوحي بأننا أمام فيلم على اتصال بفيلم «1984» لمايك رادفورد المأخوذ عن رواية جورج أورويل الشهيرة، ولدى انتقال الفيلم إلى «الكابيتول» فإن عشرات الأفلام ستحضر إلى الذهن منها ما هو على اتصال بالأفلام التي تناولت العبيد ومصائرهم في روما كما هو الحال في «المصارع» لريدلي سكوت أو ربما «سبارتكوس» معكوساً، وليكون المنطق نفسه ما ينبني عليه منطق الفيلم لكن في إطار حداثي أو ما بعد حداثي، وتحويل ذلك الصراع الذي سيكون بين المشاركين حتى الموت إلى صراع على اتصال بتقنيات كثيرة تتحكم في الغابة التي يجري فيها الصراع، كما أن فكرة «السبونسر» أو الرعاة ليست إلا معادلاً حديثاً لما كان عليه الجمهور الروماني على المدرجات التي تشهد تقاتل العبيد، والذين يسألون المنتصر أن يقتل خصمه أو لا يفعل ووفق استجابة الامبراطور لهذا الطلب أو عدم استجابته، والذين سيلعبون في فيلم «العاب الجوع» أدواراً تساعد أحد المشاركين أكثر من غيره وما إلى هنالك.

مع كل مشهد في الفيلم يطل مشهد من فيلم آخر، فحين تظهر كاتنيس ايفرغرين (جنيفر لورانس) أمام علية القوم لاستعراض قدراتها فإنهم يبدون كما لو أنهم خارجين من فيلم «الطباخ، اللص، زوجته وعشيقها» لبيتر غرينواي، وهذا مثال من بين أمثلة كثيرة تجعل الفيلم مستعيناً بعدد كبير من الأفلام في التأسيس للعالم الذي يريد تصديره، وحين يدخل «الشو» بوصف الفقراء أو الذين لا ينتمون إلى «الكابيتول» ليس لهم من وظيفة سوى ترفيه أولئك والموت في سبيل ذلك، وهنا سندخل إلى القسم الثاني للفيلم الذي سيستسلم بالكامل للتدريبات التي يخوضها المتشاركون ومن ثم ظهورهم على الشاشة، وإطلاقهم في الغابة ليتصارعوا وينتصر الأقوى مع فتح كوة صغيرة أمام الحب الذي سيحتل خُمس الفيلم الأخير بالكامل. لم أقرأ الرواية المأخوذ عنها هذا الفيلم، لكن علي القول ختاماً إن الفيلم يحمل إمكانية أن يكون أفضل مما هو عليه، لو لم يستسلم في النهاية إلى ما صار على شيء من نواميس ترويجية تتمثل بالأكشن والرومانس كما لو أنه نسي كل ما قدمه في البداية من عوالم لم يخرج بها في النهاية إلا بمجموعة صراعات ومطاردات بين المتنافسين، ومن ثم الحب الذي يصحو بين كاتنيس وبيتا (جوش هاتشرسون) ولولا «الفلاش باك» لعمال مناجم ومن ثم تمرد عمال في «فلاش آخر» لما تذكرنا شيئا مما كان عليه الفيلم، وعليه لن يكون العالم الافتراضي الذي قدم له الفيلم سوى إطار تزييني لا يريد أن يقول لنا شيئاً في النهاية مع أنه قادر على أن يقول الكثير

* نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم